ابن الأثير

258

الكامل في التاريخ

فسار حتى نزل الرّقّة ، وكاتب رؤساء أهل الشام ، وأهل القوّة ، والجلد ، والبأس ، فأتوه رئيسا بعد رئيس ، وجماعة بعد جماعة ، فأكرمهم ، ومنّاهم ، وخلع عليهم ، وكثر جمعه ، فمرض واشتدّ مرضه . ثمّ إنّ بعض جنود خراسان المقيمين في عسكر الشام رأى دابّة كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل من أهل الشام أيضا ، فتعلّق بها ، واجتمع جماعة من الزواقيل والجند ، فتضاربوا ، واجتمعت الأبناء ، وتألّبوا ، وأتوا الزّواقيل وهم غارّون ، فوضعوا فيهم السيوف ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وتنادى الزواقيل ، فركبوا خيولهم ، ونشبت الحرب بينهم . وبلغ ذلك عبد الملك ، فوجّه إليهم يأمرهم بالكفّ ، فلم يفعلوا ، واقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديدا ، وأكثرت الأبناء القتل في الزواقيل ، فأخبر عبد الملك بذلك ، وكان مريضا مدنفا ، فضرب بيده على يد ، وقال : واذلّاه ! تستضام العرب في دورها وبلادها ! فغضب من كان أمسك عن الشرّ من الأبناء ، وتفاقم الأمر ، وقام بأمر الأبناء الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان ، وأصبح الزواقيل فاجتمعوا بالرّقّة ، واجتمع الأبناء وأهل خراسان بالرافقة ، وقام رجل من أهل حمص فقال : يا أهل حمص ! الهرب أهون من العطف ، والموت أهون من الذّلّ ، إنّكم قد بعدتم عن بلادكم ، ترجون الكثرة بعد القلّة ، والعزّة بعد الذلّة ، ألا وفي الشرّ وقعتم ، وفي حومة الموت أنختم ، إنّ المنايا في شوارب المسوّدة وقلانسهم ، النفير النفير ، قبل أن ينقطع السبيل ، وينزل الأمر الجليل ، ويفوت المطلب ، ويعسر المهرب . وقام رجل من كلب في غرز ناقته ، فقال نحوا من ذلك ، ثمّ قال : ألا وإنّي سائر ، فمن أراد الانصراف فلينصرف معي ! ثمّ سار فسار معه عامّة أهل الشام ، وأحرقت الزواقيل ما كان التجّار قد جمعوه من الأعلاف ،